حكاية ثورتين

facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmailfacebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

كانت أوروبا قبل الثورة الفرنسية مقسمة إلى ممالك لا دول وطنية ترسم حدودها حول شعوب بعينها وفي العادة لم يحكم الشعوب ملوك من أوطانهم. وقد حاول بونابرتبعد غزوه لأوروبا إقامة دول وطنية وانتشرت الفكرة بين شعوب أوروبا. ولكن بعد هزيمة بونابرت، اجتمعت العائلات الملكية في مؤتمر فيينا سنة 1815 لتقسيم أوروبا مجدداً إلى ملكيات رجعية ديكتاتورية غير دستورية. وكان من أهم أهداف مؤتمر فيينا هو الوقوف أمام أي محاولة للثورة بل وإخماد أي ثورة أو محاولة لقلب الأنظمة الحاكمة.

ومن بين الشخصيات الهامة في مؤتمر فيينا كان وزير خارجية الإمبراطورية النمساوية (أو ملكية الهابسبورجز) “ماترنيخ، وقد قام ماترنيخبتجريم التظاهر والسيطرة على الصحافة وتقييد حريتها بالكامل ومنع أي اجتماعات سياسية أو عمالية وأحكم قبضته على مملكة الهابسبورجز بيد من حديد وكان نظام ماترنيخمن علامات الاستبداد والديكتاتورية في تاريخ أوروبا.

ولكن فكرة الدولة الوطنية الجمهورية والحكم الذاتي تحت دستور ليبرالي يسمح بحرية التعبير والتجمع ظلت عالقة وتنمو في عقول شعوب أوروبا وأدت إلى حقبة من الثورات. المثير للانتباه في تلك الحقبة من الثورات هي أنه حين تقرأ تاريخها تشعر وكأنك ترى شريط أحداث السنوات الخمس الماضية من عمر الربيع العربي وتستشعر وتتنبأ ما هو مزمع أن يحدث في المستقبل القريب.

ففي عام 1830 اجتاحت أوروبا موجة من الثورات. لم تكن تلك الثورات مؤامرات – مثلما لم يكن الربيع العربي مؤامرة – بل كانت الشعوب تستلهم من بعضها وتنتفض. فبعد أن ثار الشعب في فرنسا على تشارلز الخامس وأطاحوا به، قامت الثورات تباعاً في بلجيكا وبولندا والمقاطعات الألمانية وإيطاليا. وفي حين نجح الألمان في الحصول على دساتير ليبرالية تنظم العلاقة بينهم وبين حكامهم ونجح البلجيكيين في التحرر من حكم الهولنديين، تعاونت الملكيات الأوروبية وبمساعدة ومباركة الكنيسة في روما على إخماد الثورات في بولندا وإيطاليا، وفي فرنسا نفسها تولى ملك آخر لويس فيليب الأولالحكم ووعد بدستور ليبرالي وحكم عادل.

وفي السنوات التي تلت ثورات 1830 نمت الصناعة كثيراً في الدول الأوروبية ومعها تغير النسيج المجتمعي وحدث حراك طبقي وازدادت أعداد الناس التي تريد التغيير. وإلى حد ما يشابه ذلك ما يحدث الآن في المجتمعات العربية في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات والعولمة. كما كانت أربعينيات القرن التاسع عشر من أسوأ السنوات في أوروبا حيث مرت أيرلندا بمجاعة وتلفت المحاصيل وشح الغذاء في أوروبا عموماً وكانت تلك من أهم الاسباب المحركة لموجة ثورية أخرى.

وفي عام 1848 انتفضت الطبقة الوسطى مرة أخرى واجتاحت أوروبا موجة ثورية أكبر بكثير من سابقتها، بدأت مرة أخرى في فرنسا وامتدت تلك المرة إلى النمسا والتشيك (بوهيميا) وإيطاليا وألمانيا والمجر وكرواتيا. في تلك المرة أيضاً حصلت بعض الشعوب على مكاسب مبدئية مثل دساتير ليبرالية في الإمارات الإيطالية والنمسا – بعد هروب ماترنيخإلى بريطانيا ومثل الإطاحة بالملكية في فرنسا ومثل انتخاب برلمان يمثل كل الشعب الألماني في ألمانيا، إلا أن كل تلك الثورات في أوروبا تم سحقها بالقوة المسلحة أو الالتفاف حولها في غضون شهور قليلة من قبل الملكيات الأوروبية.

في فرنسا، قام الباريسيون والطبقة الوسطى منهم تحديداً بالثورة على الملك لويس فيليب واستطاعوا إسقاط الملكية وإنشاء جمهورية، ولكن مع أول انتخابات رئاسية حرة، قامت الطبقة الفقيرة – والتي كانت قد ملت من عدم الاستقرار وكثرة الاضطرابات والمظاهرات التي تسببها الطبقة الوسطى بانتخاب لويس بونابرت ابن أخ نابليون بونابرت رئيساً لفرنسا. وفور توليه الرئاسة، قام لويس باعتقال كل معارضيه وعلى رأسهم قيادات الثورة نفسها وأعدم بعضهم بلا محاكمة واستحوذ بالكامل على السلطة وفي 1852 أنهى الجمهورية الثانية وأقام الإمبراطورية الثانية ونصب نفسه الإمبراطور نابليون الثالث وحصل لنفسه على أعلى نسبة تأييد شعبي في فرنسا.

أما في ألمانيا فقد استطاع الألمان انتزاع دستور من ملك بروسيا فريدريك ويليام الرابع وإرغامه على دعم فكرة ألمانيا الموحدة، وقاموا بانتخاب برلمان يمثل الأمة الألمانية كاملة، كان يعقد اجتماعاته في فرانكفورت. وظل البرلمان الذي كان أغلبه من المثقفين وأساتذة الجامعة فترة عام كامل يناقش ويجادل ولا يصل لأي نتيجة مشكلة هل تنضم النمسا للاتحاد الألماني الجديد أم لا! وفي غمار ذلك لم يقم بمهمته الأساسية في تحديد ما يجب أن يكون عليه الاتحاد الألماني بعد الثورة. وبينما البرلمان منهمك في نقاش عقيم، أنهى فريدريك حرباً مع الدنمارك – أقرها البرلمان وأرسل الجيش إلى فرانكفورت وأغلق البرلمان وانفرد بالحكم!

وكما نرى فإن أوجه التشابه بين تلك الحقبة من تاريخ أوروبا والربيع العربي كثيرة وهناك دروس واضحة لمن يريد التعلم. فالطبقة الوسطى هي من بدأت وتزعمت تلك الثورات في الحالتين وطالبت بالحقوق والحريات ودساتير ليبرالية وبنصيب من الحكم والديمقراطية. وكان من أسباب النجاح الأولي لتلك الثورات هو التفاف الطبقة الفقيرة والعاملة حول حراك الطبقة الوسطى ولكن عدم تنظيم وأحياناً تناحر القوى الثورية من الطبقة الوسطى أدى إلى تململ الطبقة الفقيرة والعاملة والانفضاض من حول قيادات تلك الثورات مما أتاح الفرصة لعودة الأنظمة الحاكمة التي تمت زحزحتها إلى سدة الحكم.

وفي الحالتين أيضاً قامت الملكيات وبالتعاون مع المؤسسات الدينية بمحاربة الثورات والتآمر عليها وأخمادها أو الالتفاف حولها. ومع انحسار المد الثوري في الحالتين قامت الأنظمة التي استحوذت على الحكم بعد الثورات بالتنكيل بقيادات الثورات، فمنهم من أعتقل ومنهم من أعدم ومنهم من هرب وعاش في المنفى يعمل ويحضر للعودة ولموجة أخرى من الثورة تطيح بالأنظمة الحاكمة. وكان منهم مثلاً جاريبالدي الإيطالي ولويس كوسوث المجري ورولين الفرنسي وألكسندر هيرتزن الروسي. وفي منفاهم دعاهم الوزير الأمريكي في لندن على عشاء، تهكم عليه الروسي هيرتزن بقوله أنه عشاء أحمر في ضيافة المدافع عن العبودية السوداء.

وبالرغم من إخفاق أغلب ثورات القرن التاسع عشر في إوروبا من الوصول لأهدافها الكبرى إلا إنها وبشكل كبير ومباشر أثرت في مجتمعاتها بصورة كبيرة وقفزت بتلك المجتمعات بغير رجعة إلى مجتمعات أكثر مطالبة بالحرية وأكثر معرفة بحقوقها وأكثر تطلعاً للوصول لتلك الحقوق والحريات. كما أن الأجيال التي رأت الثورات وأهدافها وأحلامها في صباها ومراهقتها، لم تنس تلك الأهداف والأحلام حين وصلت مرحلة الشباب وكانت تلك الأجيال هي المحرك الأساسي لموجة ثانية من الثورات اجتاحت أوروبا كلها.

شئ هام يظهر جلياً في تاريخ تلك الثورات وهو أن الأنظمة التي تلت الثورات وقامت بقمع المعارضين وسحقهم والعودة إلى الأنظمة البوليسية الديكتاتورية أدت بشعوبها للثورة مرة أخرى. ممارساتهم القمعية التي كان هدفهم منها التخلص من الحالة الثورية وتثبيت نظم حكمهم واستقرارها أدت إلى نتيجة عكسية في الأغلب الأعم وأدت بعد فترة إلى عودة الشعوب – أو جيل لاحق من تلك الشعوب – إلى الثورة مرة أخرى والمطالبة بدساتير ليبرالية تضمن الحقوق والحريات وتنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتضمن مشاركة الشعوب في الحكم وفي تحديد مصيرها وتضمن نظاماً يحقق العدل والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون. ذلك درس لم تتستوعبه الأنظمة التي وصلت للحكم بعد ثورات الربيع العربي وفي مقدمتهم نظام الإخوان المسلمين في مصر والنظام العسكري الذي أتى بعده.

إن طبائع الأمور وحركة المجتمعات والتاريخ وخصوصاً في ظل عالم تكسر حدوده شبكة الإنترنت تنبئ بحتمية موجة ثورية أكثر عنفاً وراديكالية في مصر عاجلاً أكثر من أجلاً بسبب الفشل الاقتصادي والأمني وكرد فعل على الممارسات القمعية والطبيعة الانتقامية للنظام الحالي الحاكم في مصر.

شئ ملفت للنظر أيضاً في تلك الحقبة من تاريخ أوروبا هو نجاح النظام الحاكم في بريطانيا من الإفلات من كل الموجات الثورية التي اجتاحت أوروبا. وكان من الأسباب الأساسية لذلك هو ذكاء ومرونة الطبقة الحاكمة في بريطانيا في ذلك الوقت. فمع الموجة الثورية في 1830 قام حزب المحافظين بالإسراع في تمرير قوانين ترضي الطبقة الوسطى وتعطى المزيد من الحريات والحقوق. وفي 1832 وبعد رفض رئيس الوزراء ويلنجتون لحزمة إصلاحات قانونية قامت بعض المظاهرات وسارع البرلمان بتمرير تلك الإصلاحات التي أعادت توزيع موازين القوى السياسية في بريطانيا لتتواكب مع متطلبات الثورة الصناعية من تغير في نسيج المجتمع والطبقات الاجتماعية. وتوالت تلك الإصلاحات تباعاً وفي 1947 مثلاً تم تحديد عمالة الأطفال وتم تحديد ساعات العمل وسن قوانين تحدد حقوق العمال وكانت تلك الإصلاحات ومنح مساحات حرية وحقوق ومجال عمل سياسي طوق النجاة للنظام الحاكم في بريطانيا من الوقوع في نطاق المد الثوري الأوروبي.

التاريخ لا يتكرر، ولكن طبيعة الأشياء أيضاً لا تتغير، وإن كانت مدخلات التاريخ متشابههة فالنتائج أيضاً تأتي متشابهة. فهل تتعلم الأنظمة التي تلت الموجة الأولى من الربيع العربي من تاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر أم أنها ستستمر في فعل نفس الأخطاء لتصل لنفس النتائج والمصير؟ هل ستحذو حذو ماترنيخأم ستتعلم من الذين نجحوا في تفادي الثورات؟ هل ستبنى ديمقراطيات أم سنرى قريباً موجة جديدة من الثورات؟

More Posts - المزيد من المقالات

  • المعركة المهملة للثورة المصرية عزيزي القارئ، أعلم أن تلك السطور ستكون ثقيلة على عينيك وعلى ضميرك ولكنني أطلب منك تقبلها وأتمنى أن تكون دافع لك للتحرك. أسترجع دائماً مقابلتي مع صحفي مصري يعيش في لندن حين شرح لي كيف إن […]
  • مسؤوليتنا تجاه الثورة الكثيرون الآن حائرون والأكثر محبطون لما آلت له الثورة المصرية، نظاماً لم يسقط وما يعتقد أنها ثماراً قد اقتطفها بل اختطفها تياراً واحداً لا يؤمن فى الحقيقة بما ثار الثوار من أجله، مساراً […]
  • حل الجماعة لا أحد يستطيع إنكار أن ما تمر به مصر الآن لابد وأن يربك الكثيرين ويشوش أفكارهم ويخلط الأمور على الكثيرين، خصوصاً وأن الانخراط في الأحداث المتسارعة المتلاحقة يقلل من قدرتنا على التفكير […]
  • Europe & The DAESH Within “One day not very far, Europe will wake up to a nightmare”. I made this comment to friends during a 2012 visit to Europe. They swiftly dismissed it. Yet just two years later, with DAESH […]
facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmailfacebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


− two = 6

Kemety Think Bank © 2016 Frontier Theme